Friday, January 27, 2012

التسامح في الأديان ، وبينها



هل "عدم التسامح" ملازم للأديان التوحيدية أو الابراهيمية كما يسميها البعض ؟ ... وهل الأديان القائمة على القانون أو تعدد الآلهة أكثر تسامحاً وأقل تعصباً ؟ . طرح هذا السؤال المؤرخ الفرنسى " جوستاف لوبون " ، الذى قال : " أن مصر ظلت مثالاً للتسامح الدينى ، سواء من داخلها أو ممن غزاها . فقد كان هذا يعترف بديانة ذلك ، وذلك يعبد آلهة الآخر ، إلى أن جاءها المسيحيون ثم المسلمون فعرفت التعصب الدينى " .
وعلى الرغم من أن أتباع الأديان التوحيدية ( اليهودية والمسيحية والاسلام ) يؤكدون أنها تحتوي علي مادة خصبة لتقوية التسامح ، فلسوء الحظ لم تكن هذه الأديان متسامحة على الدوام . وهناك من يرى أن الأمر ليس كذلك ، وإنما هو أعقد وأعمق ، فالمؤمنون بتعدد الآلهة فى العصور الكلاسيكية القديمة ، واجهوا مشكلات جمة فى تعايش المعتقدات الدينية المختلفة جنباً إلى جنب ، بصرف النظر عن عبادة الامبراطور التى كانت سياسية أكثر منها دينية . فالتسامح لم يكن قائماً على الوجه الأكمل كما يريد البعض أن يصوره ، أو يجعلنا نعتقده . فـ "سقراط" حكم عليه بالموت لأنه وثق بالصوت الذى فى داخله ، والذى كان متعارضاً مع آلهة مدينة أثينا "(1) .
ويذهب البعض إلى أن عدم التسامح يرتبط فى معظم الأحوال بما لدى العقائد المختلفة من طموحات سياسية . وأن التسامح كان يتم إذا لم يكن المعتقد يعبر عن ظاهرة سياسية . وأن تعايش الطاوية والبوذية والكونفوشيه فى الشرق الأقصى ، على سبيل المثال ، يمكن تفسيره بأنه ليست فى أية ديانة منها خطورة سياسية .
أما البعض الآخر فيرجع اللاتسامح أو التعصب إلى "الدوجما" ، وإلى الارتباط الانفعالى بالأبعاد الطقسية للدين ، أى دين ، أكثر من الارتباط ببناه العقلية ، وفى الحالتين ادعاء امتلاك الحق والصواب ، ومفاتيح الدنيا والآخرة ودخول الجنة أو النار . وحيث لا يمكن أن يوجد أكثر من "مطلق" واحد ، أو دين واحد صحيح ، فإن الصراع بين الأديان سيظل قائماً حتى يقصى الدين الأقوي عددا وعدة جميع الأديان الأخرى .
قبل سنوات دعا الباحث اللاهوتى السويسرى "هانس كونج" فى دراسته القيمة "الأديان العالمية والروح العالمية" إلى البحث عن المشترك بين الأديان العالمية لإظهار الروح التى تميز هذه الأديان من أجل التواصل والتفاهم بين البشر . وكان جُل ما أظهره من أمور مشتركة يندرج تحت حقل ( الأخلاق ) ، خاصة "القاعدة الذهبية " التى قال بها كونفوشيوس أولا وتسربت إلي كل الأديان فيما بعد : " لا تعامل الآخرين بما لا تريد أن يعاملوك به " . وفى صيغتها اليهودية : " لا تعامل الآخرين بما لا تريد أن يضطروا إلى معاملتك به " . وفى المسيحية : " عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به " . وفى الإسلام : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " .
لكن "كونج" لم يقل أن هذه الأمور المشتركة تنفى الاختلافات بين الأديان ، وإنما قال بوجوب وضع قواعد مشتركة تقضى على الأخلاقيات المختلفة والمتناقضة والتى تعادى بعضها بعضاً . وهذا الرأى يتبع موروث الإيمان بالقانون الطبيعى الذى يفترض أن للقانون والأخلاق مصدراً واحداً مشتركاً ، هو القدرة على فهم الخير بواسطة العقل الطبيعى .
وعلى النقيض من هذا الموروث يعكس "التنوير" أنه ضمن المجتمع العالمى ، تتعايش التوجهات الأخلاقية والدينية المتنوعة ، وأن لمهمة القانون الأساسية هي أن تتيح للتنوع والاختلاف أن يتعايش في سلام . و الفيلسوف والشاعر والمؤرخ الألماني " هردر" كان أكثر مفكرى القرن الثامن عشر تمتعا بعمق الفهم والإحساس بذلك ، فكل شعب فى نظره صوت فردى يشارك فى "هارمونية" عالمية شاملة تضم الجميع بأديانهم وأخلاقيتهم وثقافتهم . ونحن نصادف فى مجموعة أغانى هردر القومية ، أغانى تمثل الثقافات المختلفة ، من جرمانية وسلافية وكلتية وسكاندنافية وليتوانية وتركية .
وكانت وراء هذه النزعة الإنسانية الكونية روح دينية عالمية جديدة ، زادتها قوة فقد ذهب المجدد الألماني الكبير " شلايرماخر " إلى القول بـ "الدين العالمى" ، ووضع نظرية له فى كتابه "أحاديث عن الدين" ودافع عنها فى هذا الكتاب ، الذى يضم كل أنواع المعتقدات والعبادات . وأصبح من المستطاع انطواء جميع " كفار" ( أحرار ) العصور الغابرة تحت لواء هذا المثل الدينى الأعلى . وذكر شلايرماخر أن سائر الاختلافات ( الغبية ) بين الأديان تبدو غير ذات موضوع فى نظر أى مشاعر دينية حقة . فالدين محبة ، ولكن هذه المحبة لا تتجه إلى هذا أو ذاك أو إلى موضوع متناه أو خاص ، أنها تتجه إلى العالم كله ، إلى اللاتناهى" (2) ... وللحديث بقية .
هوامش :
1- هناك محاولات عديدة لإعادة تقييم محاكمة سقراط من جديد ، انظر بشكل خاص : أى . أف . ستون : محاكمة سقراط ، ترجمة ، نسيم مجلى ، المشروع القومى للترجمة (316) ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، 2002 .
2- أرنست كاسيرر : الدولة والأسطورة ، ترجمة : د. أحمد حمدى محمود ، مراجعة أحمد خاكى ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1975 ، ص 247 ، 248 .

No comments:

Post a Comment