Friday, March 25, 2011

مسلمون و مسيحيون فى بناء السد العالى



كتب: سعيد الشحات


لم أكن أعرف حقيقة شخصية الأستاذ عصام "الجزيرة" الذى يداوم فى كتابة التعليقات على الكثير من مقالاتى، وقررت أنا التعليق على تعليقه المؤثر على مقالى:"صدقى سليمان.. سيرة طيبة من زمن السد العالى".

قال عصام "الجزيرة" إن والده كان من أعظم مهندسى السد العالى من عام 1960 حتى عام 1971 ، وكان يعمل مديرا عاما فى قسم البحر والتركيبات، وهو ومن معه قاموا بنقل الترتيبات الخاصة بتوليد الكهرباء من ميناء الإسكندرية إلى السد العالى عام 1968 باستخدام الصنادل البحرية العملاقة، وقاموا أيضا بنقل رمال الأساسات، ويضيف عصام: "كم كانت أياما خالدة سطر خلالها رجال مصر الأوفياء حروفا من ذهب فى سجل التاريخ المصرى، ويكشف عن حقيقة شخصيته بالقول إن والده هو المهندس على محمد حسن وزملاءه من المهندسين المصريين مثل، المهندس مسعد من القاهرة، والمهندس محب من الشرقية، والمهندس وليم من الإسكندرية والمهندسين عليان ومحمد مرسى من أسوان، والمهندس حسب الله الكفراوى من دمياط، وغيرهم من المهندسين الذين عملوا تحت قيادة المهندس صدقى سليمان وزير السد العالى، الذين أثبتوا للعالم أن مصر بها عقول قادرة على تحقيق الإنجازات فى ظل قيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

انتهى كلام الأستاذ عصام "الجزيرة" الذى تبين من ذكره لاسم والده أنه عصام على محمد حسن، وقبل التعليق عليه أشير على سبيل الفخر الشخصى إلى أن المهندس صدقى سليمان هو بلدياتى من قرية السيفا مركز طوخ قليوبية وهى نفس قرية الكاتب الصحفى عبد الله كمال رئيس تحرير روز اليوسف، وهى قرية قريبة من قريتى.

أما تعليقى على تعليق الأستاذ عصام، فيتمثل فى دعوتى إلى مراجعة الأسماء التى ذكرها، وسنرى فيها خليطا من المسلمين والمسيحيين الذين كانوا يعملون بجد وحب وإخلاص فى بناء السد، وطوال السنوات العشر التى استغرقها بناء السد لم نسمع عن شجار بين مسلم ومسيحى ممن شاركوا فى هذه الملحمة الرائعة، وهو ما يعنى أن الكل وبصرف النظر عن الديانة يمنحون ثقتهم حين يرون مشروعا قوميا يتم لمصلحتهم، وهو ما أشار إليه الشاعر عبد الرحمن الأبنودى فى حواره الأسبوع الماضى مع الإعلامية منى الشاذلى فى برنامجها العشرة مساء حين سألته عن سبب عدم تأليفه شعرا عن مشروع توشكى على غرار ما كتبه عن السد العالى فأجاب: "السد كان حاجة تانية كان بتاع كل الناس.. وتوشكى رغم أنى زرتها مع الرئيس مبارك لكن ما شبكتش معايا هى فيها الأمير فلان وعلان".

التعليقات الأخرى التى جاءت على مقالى من الأساتذة توفيق ميخائيل ومعصوم وعبد العظيم سليمان ، أتمنى لو شملت أسماء من بناة السد كما ذكر الأستاذ عصام حتى نقول لهم: "تعظيم سلام يا من تركتم لنا شمعة مضيئة فى سماء هذا الوطن".











Friday, March 4, 2011

ظهور كاميليا.. حكمة ليست غربية على الكنيسة





على مدى الأيام الماضية تواصلت المظاهرات المطالبة بظهور كاميليا شحاتة زوجة تداوس سمعان كاهن دير مواس. بدأت المظاهرات بعد صلاة التراويح بجامع عمرو بن العاص ثم امتدت لتشمل جامع الفتح برمسيس ومسجد النور بالعباسية، وأخذت النار تكبر فخرجت مظاهرات تحمل نفس المطالب من مساجد الجمعيات الشرعية بالمحافظات.

المتظاهرون يتهمون الكنيسة بإخفاء كاميليا فى أحد الأديرة رغما عنها بعد إعلانها الإسلام، ويطلبون ظهورها على أى قناة تلفزيونية وإعلانها موقفها الدينى.. هل مازالت على عقيدتها المسيحية أم أشهرت إسلامها، ويتحدث المتكلمون من المتظاهرين عن شيوع حالة من استقواء الكنيسة على سلطة الدولة، ويربطون مباشرة بين احتجاب وفاء قسطنطين زوجة كاهن أبو المطامير التى أثار إشهارها الإسلام وتراجعها عنه واحتجازها فى دير وادى النطرون أزمة كبيرة، وبين غياب كاميليا شحاتة، ويدللون على ما يقولون ، بعدم استجابة الكنيسة لسنوات لمطالب الأغلبية المسلمة بإظهار وفاء قسطنطين، لمجرد إثبات بقائها على قيد الحياة ودرءا لشائعات تعذيبها أو قتلها.

من ناحيتها تتجاهل الكنيسة وقياداتها المظاهرات المطالبة بظهور كاميليا مثلما تجاهلت سابقتها المطالبة بإظهار وفاء قسطنطين، وترى فى ذلك تدخلا من البعض فى ولايتها على رعاياها، كما يرى عدد من المقربين من الكنيسة أن وفاء قسطنطين شرعت فى إعلان إسلامها بسبب من تعنت زوجها وشكه الدائم فيها لمرضه، وأنها ما فكرت فى اعتناق الإسلام إلا لتتخلص من عشرته وعندما استمعت للجنة النصح قبل إعلان إسلامها مباشرة ، وتأكدت من حل مشكلتها تراجعت عن إشهار إسلامها وتقضى أيامها حاليا ،بعيدة عن زوجها كما أرادت.

أما كاميليا شحاتة وحسب المقربين من الكنيسة فلم تعلن إسلامها، ولم يثبت ذلك فى أوراق رسمية وما أثير بشأنها لا يتجاوز حقيقة أن خلافات عائلية حكمت تصرفاتها ودفعتها إلى ترك بيتها واللجوء لإحدى قريباتها بالقاهرة قبل أن يتدخل الآباء الكهنة ويزيلون هذه الخلافات ، لكن احتجابهما عن الظهور أى وفاء أو كاميليا أمر يخص الكنيسة ورعاياها، ولا يخص عموم المسلمين.

لكن المسألة لها جانب آخر، بعيدا عن المظاهرات المطالبة بظهور وفاء وكاميليا ، وتفسيرات الكنيسة والمقربين منها، أن القضايا التى تتخذ صفة القضايا العامة أصلا أو انتسابا ، كأن تشغل عموم الناس وتثير تساؤلاتهم وهواجسهم ، أو تستثير حفيظتهم للتظاهر والثورة ، هى شأن لابد وأن تتصدى الحكومة لمعالجته لإطفاء النار التى من الممكن أن تشعل فتنة لا يتحملها المجتمع .

أيضا لا يصح بأى حال من الأحوال ونحن ننادى بالحقوق الدستورية المتساوية لجميع المصريين دون تفرقة على أساس النوع أو العقيدة أو العرق، ونحن نطالب فى ظل هذا المبدأ الدستورى الناصع بالمساواة فى تقلد المناصب العليا للنساء والأقباط ، وإزالة أى عقبات استثنائية تحرم مصريا من منصب رئيس الجمهورية ، لا يصح فى هذا السياق أن تنعقد ولاية الأقباط للكنيسة أو أن تنعقد ولاية المسلمين للأزهر ، الولاية للمواطنين أيا كان دينهم للدولة وممثليها بحكم القانون، وهذا المبدأ لابد أن يكون واضحا وناصعا لدى الجميع وعدم وضوحه هو سبب تصور البعض أن الكنيسة تستقوى على الدولة وتحاول استلاب حق الولاية على المواطنين الأقباط.

ما يعزز هاجس استقواء الكنيسة، سعى الأجهزة المعنية فى بعض الأحيان إلى حل القضايا الشائكة وفق مواءمات سياسية وعرفية، درءا لفتنة أو دفعا لاضطاد ، أو لطمأنة غير المطمئنين ، وهذا ما حدث تحديدا مع وفاء قسطنطين عندما سلمتها أجهزة الأمن للكنيسة على أن تتعهد قيادات الكنيسة بالفصل بينها وبين زوجها، إلا أن تكرار الأمر مع كاميليا أوجد حالة من التذمر لابد من فضها، ليس بمنع المظاهرات أو فضها بالقوة، وإنما بظهور كاميليا ووفاء لإعلان موقفهما الدينى دون إملاء أو إجبار من أحد ، بعد أن أصبح إعلان موقفيهما الدينى مطلبا جماهيريا عاما.

كيف تدافع عن الاسلام ؟





كتب: شريف حافظ 



خرج علينا جورج بوش الابن عقب الأحداث الدامية فى 11 سبتمبر 2001، بمبدأ لا يُعبر إلا عن فكرٍ أجوف تمثل فى جملته الشهيرة: "من ليس معنا، فهو ضدنا". وبهذا بدأت حرب ضروس ضد ما ظنه بوش "الإسلام" وأطلق على تلك الحرب، "الحرب على الإرهاب"، وجزء منها يُعبر بالفعل عن مواجهة مع الإرهاب، ولكن الجزء الكبير منها، هو حرب فكرية، ضد الوهم وليس الإسلام.

لقد أعاد بوش إلى الأذهان، أفكار محاكم التفتيش التى وجدت فى أوروبا الظلمات فى العصور الوسطى، وكانت تُحاسب البشر حول مدى اعتقاداتهم بالمسيحية وتفرق بينهم على أساس وجهة نظر السلطة الكنسية وقتها. وبدأت مع مبدأ بوش الفج، مرحلة أصبح فيها للأمن اليد العُليا، بديلاً عن الفكر، وأصبح الناس يميزون وفقاً لمظهرهم أو انتماءاتهم، حتى إنه فى بداية تطبيق هذا الفكر المريض، قُتل قبطى بولاية كاليفورنيا، للشك من قبل قاتله "العنصرى" فى كونه مسلم!!

وفى إطار سياسة رد الفعل الهوجاء بدأت قوى التطرف فى دول الشرق الأوسط ذات الأكثرية المسلمة، بالرد على مبدأ بوش، بنفس "اللامنطق"، ليتضح فيما بعد، أن كليهما لا يهمهما الدين الإسلامى من قريب أو بعيد، وأن أهدافهما تختلف تماماً. فالولايات المتحدة الأمريكية تحت إمرة بوش الأبن، تهدف إلى الهيمنة على العالم بداية من الشرق الأوسط، بينما المتُشددون الدينون، يريدون السيطرة على قبضة السلطة بلعب دور البطولة فى إطار تمثيليتهم فى الدفاع عما "يُظن" أنه الإسلام، بينما هو كائن مختلق فقط لأهداف السلطة الأمريكية على العالم ومتنام من قبل المتشددين، ليظهروا كم ورعهم كى ينالوا مزيداً من السلطة لمد الجسور إلى عروش الدول التى يحيون فيها، دون انتماء! وبالتالي، فإن ما يحدث بين الطرفين ليس بالفعل حرباً على الإسلام أو دفاعا عنه، وإنما هى لعبة مصالح ليس إلا، يستفيد منها كل الطرفين ولا يراد قضاء أى منهما على الآخر، لأن لا أحداً منهما يمكنه الحياة دون الآخر: فدون حرب على "الإرهاب" لا يوجد متشددون يدافعون ودون دفاع المتشددين ومواجهتهم الغرب، لا توجد حرب على الإرهاب أو ما يُظن أنه الإسلام.

إلا أن هناك إشكالية طرأت على المسلمين ذاتهم لا الإسلام. وليست تلك الإشكالية وليدة أحداث سبتمبر، ولكنها ظاهرة منذ عقود وقد برزت بروزا لا يُمكن الفكاك منه عقب حادث تدمير البرجين. فتمثلت المشكلة باختصار، فى وجود اختلافات شاسعة حول طبيعة تفسير النص الدينى وموائمة تطور العصر معه، خاصةً مع مقولة أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان. تلك الاختلافات، بالتزامن مع التغييرات الكبيرة على أرض الواقع فى حلبات السياسة وأسلوب الفكر، أفرزت التيارات السياسية والفكرية المختلفة، لتطفو على السطح، وتدخل فى معارك فيما بينها حول هذا التفسير!، وقد بدا أن تلك المعركة ستستمر لمدة طويلة ما لم يتدخل "العقلاء" من علماء الشريعة، ليس ضد أحد ولا مع أحد، ولكن لوجه الله عز وجل، مطورين الخطاب الدينى لوضع أسس يمكن أن تكون الهادية بعيداً عن الهاوية، وبذلك يحققون ركناً أساسياً فى الدفاع عن الدين فى إطار خطابه المنفتح والمتماشى مع العصر.

أما مواجهة أعداء الدين، بمنطق المعايير الشخصية والمصالح ولعب دور البطولة والتحريض عليهم ونصب محاكم التفتيش ضدهم، فهو منهج أبعد ما يكون عن الإسلام ذاته، وهو منطق يسىء للدين أكثر مما يسترشد به ومن حكمته. ولم تكن مواجهة من قام برسم الرسوم المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام بتلك الطريقة، إلا فائدة له، حيث أصبحت الجريدة التى رسمت تلك الصور، أكثر صيتاً ومبيعاً!! لقد أمدنا الله بمنهج قرآنى للدفاع عما نؤمن به، وقد سبق به كل مناهج الأرض الوضعية.

فالله عز وجل، أنزل أول آياته على الرسول، محمد صلى الله عليه وسلم، فى صورة أمر بالقراءة باسم الله. ولأن الدنيا كلها وفقاً لمنطق الإسلام، خُلقت من قبل الله سبحانه، فالقراءة والعلم فرض إسلامى، ويصبح الجهل معاديا للدين وفقاً لهذا المنطق. وبذلك فإن من يريد الدفاع عن الدين وجبت عليه القراءة والثقافة فى الدين وكل شأن من شئون الدنيا! والجهل لغو لا فائدة منه، ولذا كان أمر الله عز وجل بالبُعد عنه عندما وصف المؤمنين بقوله تعالى: "والذين هم عن اللغو معرضون"، وإذا ما سمعت لغواً بينك وبين إنساناً ما، نصحته بالموعظة الحسنة كما أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو تجاهلته وفقاً لقول الله تعالى: "وأعرض عن الجاهلين"، كما أن من يخوض فى آيات الله بالسوء، أمرنا الله بأن تبتعد عنه حتى يخوض فى غيره من الأحاديث، فقد قال الله عز وجل: "وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين". وهنا لم يقل الله أن علينا قتالهم أو التحريض عليهم، ولكن الآية صريحة فى تجنب الجلوس معهم وفقط!

إن الفكر طالما أنه فكر قوى هو الذى يدافع عن نفسه، وطالما أن المؤمنين بهذا الفكر يؤمنون بقوة فكرهم، فإنهم يؤمنون بأن الدفاع لا يكون إلا عما هو ضعيف، وليس عما هو قوى. ويقول الله عز وجل فى ذلك: "إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور". وقال الله أيضاً: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون". والله "خير حافظا وهو أرحم الراحمين".

وبالتالى، أرى أن من يعادى، لا يعادى الدين الإسلامى، ولكنه يُعادى ما يظُنه الدين، لأنه لم يفهم الدين الإسلامى، لأننا قصرنا فى ما وجب فعله من تجديد الخطاب الدينى. ومن يُعادى الدين نفسه، وجب علينا تجاهله وفقا لنصوص الله، والإعراض عنه والعمل على قراءة ديننا وما دونه، كى نكون عنواناً بحق له، وليس اختلاقا مشوها لما يحويه. فلا يمكن أن نقوم بمحاربة من يعادى الدين، ونحن لا نفهم نصوص ديننا ولا نعمل بها فى زمن ضعف المسلمين. إن محاربتنا لمن يحاربنا، إنما يزيد الحرب ضراوة، ويمنح لمن يحاربنا المزيد من القوة. فلا يجب أن ننسى أنه عندما بدأت الحرب على الإرهاب من قبل الولايات المتحدة واستُهدف المسلمين، زاد معتنقو الدين الإسلامى فى أمريكا. فكل فكر يحارب وهو قوى، يزيد عدد معتنقيه، لأن هناك من يبدأ فى القراءة ليفهم. ولا نريد أن نزيد محاربى الإسلام بمحاربتهم، ولكن المزيد من الفهم لديننا.

إن أغلب من يخرج فى حرب تحريضية ضد عدو أو مدعى عداء للإسلام، إنما هو فى الغالب يمثل هذا الدور، ليصنع بطولة زائفة بأنه يزود عن هذا الدين الذى هو أقوى من أن يُهدم، وليس أدل من كلام الله فى ذلك. كما أن المحرضين على من يعيش بيننا ممن يُظن أنهم يحاربون الدين أو من يحاربون الدين صراحةً، إنما يخلقون محاكم تفتيش جديدة. فكيف نفرق وقتها بين العدو وغيره؟ أنريد أن نفعل ما قامت به الولايات المتحدة أثناء حكم بوش، ورفضناه؟؟؟ أليس هذا غريباً أن يصدر منا ونحن نريد أن ننهض من كبواتنا؟

علينا بالشموخ بما نملك من دين، وأن نقرأ فى ديننا ونقبل الآخر كى يطلع على سلوكنا المتماشى مع نصوصنا السمحة، ونكون المثال كى يتوقف عن غيه، وأن ندفع بالتى هى أحسن لكى تتحول العداوة إلى صداقة حميمة أو احترام. علينا بالإعراض عن الجاهلين وألا نتواجد فى وسط من نكره صحبتهم، لأنهم يعتدون على نصوص وآيات القرآن الكريم ومقدساتنا ورموزنا. فإن تركنا كل هذا، ثم شكونا ما نكره، كان العيب فينا نحن وليس فى سوانا من البشر. فلقد خالفنا معتقدنا وجرينا وراء مشاعرنا الذاتية، ثم صرخنا بالظلم وتأجج مشاعرنا. والدين قوى، ولكن نحن الضُعفاء!
استاذ علوم سياسيه.

Friday, February 25, 2011

الدكتور محمد عماره ... حظر المأذن و السباق الطائفى





كتب: أكرم القصاص




من سنوات طويلة فى السبعينيات، كان الدكتور محمد عمارة قد أصدر كتبا كثيرة، كان يركز فيها على حضارة الإسلام، والعلاقة بين العروبة والإسلام فى فجر اليقظة القومية، كما كتب عن على بن أبى طالب، وأبو ذر الغفارى، كان يركز كثيرا على حضارة الإسلام. ويدافع عن الشيخ على عبد الرازق فى مواجهة من كفروه عندما أعلن نهاية الخلافة العثمانية. التى كانت انتهت حتى قبل أتاتورك، بفعل الزمن حسب نظريات بن خلدون فى صعود الأمم وانهيارها، وعندما تنهار الإمبراطوريات التى ترتبط بالدين فلا يعنى ذلك انهيار العقيدة، الدكتور عمارة أيضا حقق أهم كتب فى تاريخ الفكر الإسلامى الحديث، الأعمال الكاملة للسيد جمال الدين الأفغانى، وتلميذه الشيخ محمد عبده، أحد أعظم مفكرى الإسلام فى العصر الحديث، والذى ما تزال كتاباته تقدم إجابات لأسئلة تطرح اليوم. وقدم فكرا يربط بين الإسلام والمدنية، بشكل أخرجه من العصور الوسطى والشرح على المتون. وبقايا مثالب العثمانيين فى طور انهيار إمبراطوريتهم.

كما حقق الدكتور عمارة أعمال وكتابات عبد الله النديم، والكواكبى أول من حاول تحليل طبائع لاستبداد.. كانت كتابات الدكتور عمارة وكتبه المحققة تشير إلى كونه يرمى إلى الدفع بحضارة الإسلام إلى الأمام. وحفظت جهوده أفكار منورين قدموا الإسلام الوسطى بروحه وليس فقط بطقوسه. لكن الدكتور عمارة من سنوات اختلف كثيرا. ولم يعد يهتم كثيرا بإزالة ما يشوه وجه الحضارة الإسلامية، بقدر ما بدا مهتما بسباق طائفى بلا فائدة.

أقول هذا بمناسبة كتاب الدكتور عمارة الأخير الذى أرهق نفسه فيه من أجل أن يبرهن على تزييف الأناجيل والمسيحية. ولا تعرف ماذا يفيد الإسلام أو أى عقيدة سماوية إثبات زيف العقائد الأخرى مع العلم أن الإيمان فى أغلبه وراثى ومعروف أن الإسلام بنى على خمس، ليس من بينها التشكيك فى المسيحية.

ثم أن العقائد السماوية كلها نزلت من أجل تهذيب أخلاق البشر ووحشيتهم وجعلهم أكثر تسامحا وإنسانية، ومن أفضل الإيمان أنه يمنح الإنسان يقينا يدفعه إلى حب العالم والرغبة فى خدمته.

المثير أن الدكتور محمد عمارة كان من أوائل المفكرين الذين تصدوا لأفكار التنظيمات المتطرفة، عندما أخضع النصوص التى تم توظيفها فى كتاب محمد عبد السلام فرج "مفكر الجهاد" للبحث التاريخى وكشف أن نصوص بن تيمية لتكفير الحاكم والمحكوم كانت ترتبط بمن يحالفون التتار. كان الدكتور عمارة ينزع فتائل قنابل الجهاد والتنظيمات المتطرفة التى كانت تضر الإسلام وتصم المسلمين بالعنف والإرهاب.

كما أن الدكتور محمد عمارة تصدى أيضا للفتنة الطائفية. فلماذا يعود عن كل ذلك لينشر تقارير وكتبا لا يؤدى لغير الفتنة، مع أن الرجل ليس فى حاجة إلى شهرة أو أضواء، وهى شهرة تحرق الكثير من أواصر العلاقة المشتركة بين المسلمين والمسيحيين. وهذه مباراة فى الفتنة الكاسب فيها خسران.

وهنا فإن الإسلام هو عقيدة نزلت من أجل تنظيم حياة البشر، فضلا عن كونها عقيدة تمنح معتنقيها الشعور باليقين وتقدم حلولا كثيرة. والمسيحية عند معتنقيها تعنى لهم اليقين والإيمان. ولا نظن أن مسلما يستفيد من البرهنة على زيف المسيحية وتزويرها، ولا مسيحيا مؤمنا يستفيد من القذف فى حق الإسلام أو الديانات الأخرى.

لقد أصدر الدكتور عمارة من سنوات كتاب أغضب المسيحيين وها هو فى تقريره يقول إنه يقدم دلائل على تزييف الأناجيل وغيره، ولا نعرف لماذا لا يترك الدكتور عمارة المسيحية لأهلها يناقشون أمورها، مثلما يناقش المسلمون عقيدتهم. وربما كان أجدى من الانضمام للألتراس العقائدى أن يسعى لمخاطبة العقول المتعصبة، والجهل النشيط. أو يدافع عن صورة الإسلام التى شوهها وأساء إليها بعض المسلمين بجعل، وسوء نية أحيانا.

ثم أن المسيحيين شركاء للمسلمين فى وطن يقف على شفا طائفية، بسبب متطرفين من الجانبين يظن كل فريق منهم أنه لن يعيش فى وجود الآخر، ثم أن الأزهر كان دائما منارة للوسطية والاعتدال. ويجب أن يتوقع من يظنون أنهم يكسبون من الإساءة لعقائد الآخرين إن الآخرين يمكنهم أن يردوا ويسيئوا لعقيدة من يسىء لعقيدتهم، وقد رأينا أن القس زكريا بطرس، أو يوتا كلاهما يوجهون إساءات للإسلام ويشككون ويسيئون. ردا على خطب وكتابات النجار وغيره، وهى نتيجة للتطرف تنتهى بالإساءة للعقائد جميعا وتشعل الفتن. فإذا كان عمارة يؤكد أن لديه أدلة، فغيره خرجوا ليقولوا إن لديهم أدلة، وأغلبها تاريخى أو ظنى أو موضوع بهدف الإساءة. والجدل لا يفيد فى النهاية. غير الطبل الأجوف فى قنوات التعصب الجاهل، هنا أو هناك. ليكسبوا المزيد وتخسر العقائد.

وعلينا أن نسترجع كيف أصاب المسلمين الغضب من جراء اعتداء متطرف على مروة الشربينى لكونها مسلمة، وكيف غضب المسلمون من استفتاء سويسرا لحظر المآذن. وهى أفعال قاد إليها التطرف وسوء الفهم، ليس من الإسلام، ولكن من تصرفات مسلمين لا يفرقون بين الإيمان والإساءة للعقائد. وفى النهاية فإن المعتقدات فى قلب كل مؤمن، والله سبحانه فى النهاية هو وحده الذى سيحاسب الجميع.

والواقع أن احترام عقائد الآخرين، جزء مهم من الإيمان الحقيقى، وليس المظهرى، والدنيا فيها الكثير من المشكلات، خاصة أن العقائد كلها تواجه هجمات من الإلحاد، ومن المتطرفين، والمسلمون يحتاجون إلى اجتهادات الدكتور عمارة وغيره، فى مناطق ليس من بينها الإساءة إلى المسيحية، وهناك مشتركات كثيرة بين الديانات السماوية التى لها أصل واحد، فلماذا لا يترك كل فريق معتقد غيره، ويركز فى معتقده، وينزع أسباب التطرف لأن احترام العقائد من علامات الإيمان.

Friday, February 18, 2011

مسلم فى الكنيسة


كتب: شريف حافظ


أحسست بأننى يجب وأن أعبر عما أقوله! فالكلام وحده ليس كافياً! ورسايل الفكر، يجب وأن يصاحبها القدوة! ولذا، قررت أن أذهب إلى الكنيسة، ممثلاً عن نفسى ليس إلا، يوم قُداس عيد القيامة، محتفلاً مع إخوتى وأخواتى فى الوطن، بعيدهم، ومشاركاً لهم فرحتهم. لم أذهب بناءً على دعوة ولم أنتظرها، لأننى مصرى، قرر أن يدخل دار عبادة يمثل السلام كأى دار آخر للعبادة، فى أى دين. تأففت كثيراً ممن مهدوا لذهابهم للكنائس فى ذلك اليوم بالحديث فى الصحف ولوسائل الإعلام، وكأنهم يقومون بعمل "شو" إعلامى، للتعبير عن "تسامحهم"، لأن هذا الفعل، لا يحتاج إلى "المنظرة" وإنما إلى أن نقوم به بصمت واحترام، بعيداً عن أى نوع من التباهى والتفاخر، وبشكل طبيعى، لأن ما نقوم به يدمج هذا الوطن ويوحده عن حق، بعيداً عن الشعارات البراقة التى طالما نادينا بها كثيراً دون أى جدوى!
وفى طريقى، لدخول كنيسة مدينة 6 أكتوبر، وجدت إجراءات أمنية تفوق الوصف. فتيقنت من "جدية" الدولة فى صيانة الكنائس والمواطنين المصريين المسيحيين! دخلت إلى الكنيسة ورأيت رجلاً يبدو عليه أنه يستقبل القادمين، فعرفته بنفسى وبأننى مسلم. فسلم على بشكل جميل ومُرحب وأدخلنى إلى قاعة وجدت فيها أعضاء للمجلس الشعبى المحلى للمدينة، من المسلمين أيضاً. ثم جاء ممثلون عن الحزب الوطنى ووزارة الأوقاف من الأزهريين. وقد جاء مجلسى بجانب ممثلى وزارة الأوقاف، فجلسنا نحتسى القهوة ونأكل الحلوى المقدمة لنا ونتحدث فى شئون ديننا الإسلامى وسعادتنا بتعيين الشيخ الدكتور أحمد الطيب شيخاً للأزهر، رغم حزننا على وفاة الشيخ الدكتور سيد طنطاوى. ثم سمعنا بقدوم موكب المحافظ الدكتور فتحى سعد، ودخل علينا رجال الكنيسة من المستقبلين، يدعونا للنزول إلى بهو الكنيسة. وجاءت اللحظة التى طالما كنت أتمنى أن أحياها، وهى الدخول إلى القُداس، بعدما حدث يوم عيد الميلاد الماضى من مأساة بشعة فى مدينة نجع حمادى، لأعبر مثلما عبر غيرى، عن أننا شعب واحد، وأن من يقوم منا بجرائم ضد أفراد هذا الشعب، لا يمثل أحداً غير نفسه ولابد من معاقبته!
دخلنا وراء سيادة المحافظ ورجال الدولة، وجلسنا حيث كان الرجال، حيث هناك تفرقة بين مجالس النساء ومجالس الرجال. واستمعنا إلى تكملة عظة أحد رجال الدين ثم إلى عظة كاملة لرجل آخر. تكلم الرجل الآخر، حول أمراض العيون بصورة فلسفية عميقة موضحا مختلف الأمراض وترجمها إلى ما تعنى فى رؤية الآخر فى مصر. فتكلم عن قصر النظر وطول النظر وعمى الألوان والبقع السوداء على العين. تكلم عن كيفية أن هناك من لا يرى غيره وإنما فقط عشيرته. وتكلم حول سماحة الدين والمسيح عليه الصلاة والسلام. كانت العظة رائعة فى فلسفتها وعامة فى تناولها، بحيث إننى لم أشعر أنى أسمع شيئا خارجاً عما أؤمن به كمسلم، رغم الاختلافات العقيدية التى بالطبع أحترمها، حيث لكل شخص الحق فى أن يؤمن بما يريد.
نظرت فى القاعة حيث جلسنا، وكان النسوة يغطين شعورهن "بطُرح" وهن فى غاية الخشوع. ملامح الجميع ملامح مصرية صميمة، رجالاً ونساءً. كانوا جميعاً غاية فى الود. وعند انتهاء العظة، ذهبنا متقدمين الجميع، لنهنئ القساوسة بعيد القيامة، ثم ذهبنا.
لقد شعرت داخل هذا القداس، الذى لم يتناول "الاختلافات" العقيدية، وكأننى أحتضن الوطن. وكأن مصر بين يدى. وكأن كل ما يُقال ويُشعر فى الأجواء، منذ أمد قريب، فى عُرف التاريخ، إنما هو تعبير عن تخريب مُتعمد، دخيل على المصريين. وإنما مصر، هى تلك الحالة التى عشتها فى داخل هذا القُداس، الذى لن يكون الأخير الذى أحضر، فى أعياد مسيحيى مصر!
وهذا، لا يتعارض على الإطلاق، مع توقيعى على البيان الذى كتبه الأستاذ كمال غبريال حول الرفض التام لتدخل الكنيسة فى الشأن السياسى. فنحن نعارض تدخل المؤسسات الدينية الإسلامية فى الشأن السياسى، وبالتساوى، نعارض تدخل المؤسسات الدينية المسيحية أو غيرها، فى السياسة المصرية، لأن الدين لله والوطن للجميع. إن مصر لديها رئيس واحد فقط للجميع، سواء كنا نتكلم عن الرئيس الحالى أو من سيليه. وليس لمصر رئيس مسلم للمسلمين ولا رئيس مسيحى للمسيحيين. وليست هناك قوميات فى الأديان، لأن الأديان للعالمين، ومن يقول هذا، إنما هو يحدد نطاقا للدين وتلك مقولات جوفاء، لزرع الفتنة فى الصدور!
استرجعت عندما شاركت مسيحيى مصر عيدهم، الحقيقة الأبدية:
نعيش تحت الشمس نفسها.
والقمر نفسه.
نمشى على نفس الأرض.
تكويننا البيولوجى واحد.
نتنفس نفس الهواء.
ونعيش تحت السماء نفسها.
ومشاعر الحزن والفرح واحدة.
وقضايا الوطن تجمعنا.
نحمل الجنسية المصرية ونفتخر.
ونريد إصلاح الوطن.
وتغييره معاً!.
إذاً، لا يمكن أن يفرقنا شىء
طالما امتلكنا عقولاً، فى رؤوسنا !